إرسال مهمة مأهولة إلى الزّهرة هل هي فكرة سديدة؟
السباق إلى الفضاء يتسارع. وإرسال البشر مرة أخرى إلى القمر، وحتى إلى المريخ، جزء أساسيّ من رحلات اكتشاف المزيد من أسرار المجموعة الشمسية. إحدى الأفكار المقترحة اليوم تدور حول إرسال رحلة مأهولة للتحليق بالقرب من الزهرة. من الناحية النظرية تبدو فكرة ساحرة. لكن ماذا عن المستوى العملي؟
إنّه الكوكب الذي يلقّب غالباً بـ”الأخ الشرير” لكوكب الأرض. يسرد أستاذ الفيزياء ونائب مدير دراسات النظام الشمسي في مختبر مولارد لعلوم الفضاء في “كلية لندن الجامعية” أندرو كوتس الكثير من التفاصيل عن كوكب الزهرة.
- Advertisement -
يكتب كوتس في موقع “ذا كونفرسيشن” الأسترالي أنّ كوكب الزهرة تَشكّل في منطقة أقرب إلى الشمس وتطور تطوراً مختلفاً عن كوكبنا. يسيطر عليه الاحتباس الحراري “الجامح” وغلاف جوي غنيّ بثاني أوكسيد الكربون. لا يتمتّع الزهرة بأي حقل مغناطيسي، كما أنّ سطحه حار لدرجة القدرة على إذابة الرصاص.
ستدرس بعثات علمية عدة كيف ولماذا حصل ذلك. لكن الآن يريد بعض العلماء إرسال رحلات مأهولة للتحليق بالقرب من الكوكب. فهل هذه فكرة سديدة؟
قبل أن يجيبنا كوتس، يستعرض بعض المعلومات السريعة عن الزهرة. قطره أصغر بقليل من قطر الأرض ومداره أقرب إلى الشمس. وهذا يعني أنّ أيّ مياه على سطحه تبخّرت بعد فترة وجيزة على تشكّلها، مطلقة مسار الاحتباس الحراري. وضاعفت انفجارات بركانية مبكرة ومستمرّة تأثيره الجامح. رفع ذلك درجة حرارته من أعلى بقليل من معدل حرارة الأرض إلى 475 درجة مئوية.
السنة على الزهرة أقصر بقليل من السنة الأرضية (225 يوماً)، لكن دوران الكوكب حول نفسه بطيء (243 يوماً) ومعاكس لمسار دوران الأرض. أظهرت صور من مهمات عدة أنماطاً من الغيوم على شكل حرف V مكونة من قطرات حامض الكِبريت. على الرغم من الظروف القاسية، تابع كوتس، تكهّن بعض العلماء بأنّ غيوم الزهرة قد تحتضن عند بعض المرتفعات ظروفاً صالحة للسكن.
أظهرت قياسات حديثة للغيوم فوق الزهرة ما يبدو أنّه “فوسفين”، وهو مؤشر محتمل للحياة، بما أنّ الَيكروبات تنتجه باستمرار على الأرض. لكنّ هذه الاستنتاجات خاضعة للجدل.
- Advertisement -
هنالك مهمات مستقبلية غير مأهولة ستُرسل لدراسة الكوكب على أكثر من صعيد. من بينها، “فيريتاس” و”دا فينشي بْلَس” (بإشراف ناسا) بينما اختارت وكالة الفضاء الأوروبية “أن فيجن” وستكون جاهزة للإطلاق أوائل الثلاثينات. الآن عودة إلى السؤال الأساسي عن الحاجة إلى المهمات المأهولة.
يلفت كوتس النظر إلى أنّ الفكرة اقتُرحت أولاً في أواخر الستينات. الآن، أعيد إحياء هذه الفكرة في المجلات وخلال اجتماع أخير لـ”الاتحاد الدولي للملاحة الفضائية” شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.
ستسمح رحلة كهذه باختبار تقنيات الفضاء السحيق، مثل كيفية تشغيل مهمة مأهولة مع تأخر زمني كبير عند الاتصال مع الأرض. يمكنها بالتالي أن تعدّ البشريّة لرحلات أكثر تعقيداً إلى المريخ. لكن الطاقم لن يقوم بأي هبوط على سطح الزهرة بالنظر إلى الظروف البالغة القساوة.
الباحثون الذين يدعمون الفكرة يقولون إنّ مهمّة كهذه يمكن أن تسمح باستخدام جاذبية الزهرة لتعديل مسار المركبة الفضائية إلى المريخ، ما يمكّن العلماء من توفير الوقت والطاقة بالمقارنة مع الانطلاق مباشرة من الأرض إلى المريخ. فهذا سيفرض على رواد الفضاء انتظار اللحظة المناسبة حتى يصطف مدارا الكوكبين للتمكّن من الانطلاق والعودة. لكن بما أنّ مهمة مأهولة إلى المريخ ستكون معقّدة جداً، الانطلاق مباشرة من الأرض إلى المريخ سيبقي التصاميم أكثر بساطة.
إنّ إرسال البشر إلى كوكب يمكن أن يحتضن كائنات حيّة لن يسهل العثور عليها. قد يلوّث البشر الغلاف الجوي قبل اكتشاف أي حياة بحسب كوتس. السبيل الأفضل للعثور على إشارات بَيوكيميائية للحياة سيكون عبر استخدام مسبارات غير مأهولة. ثمة تحديات حرارية كبيرة وإشعاعات عالية من التوهّجات الشمسية بسبب قرب الكوكب منها.
وأضاف كوتس أنّ رحلات مأهولة كهذه ستمنح بضع ساعات للحصول على البيانات المتاحة وفقاً للمسارات المتبادلة. بحسب كوتس، سيكون المشروع باهظ الكلفة بالرغم من أنّه سينتج صوراً مذهلة وبيانات إضافية مفيدة. لكنّه سيضيف القليل إلى الدراسات التفصيليّة المخطط لها حالياً.
التعليقات مغلقة.