حياة صحية
من أجل حياة صحية أفضل

دراما العزلة.. الهروب إلى أحضان الطبيعة في هذا الفيلم

373

فيلم “الأرض” الطموح شهد أول ظهور للنجمة روبين رايت بوصفها مخرجة وممثلة تقوم بدور البطولة في نفس الوقت

محمد صلاح – الجزيرة نت28/3/2021

نادرة هي -ومؤثرة في نفس الوقت- تلك الأفلام التي تقدم “دراما العزلة”، حيث تأثير القوة العلاجية للطبيعة على أولئك الذين ينسحبون بعيدا نحو الحياة البرية، للتعافي من مأساة تجعلهم لا يستطيعون التوافق مع المجتمع، ويريدون فقط أن يُتركوا بمفردهم.

- Advertisement -

كما رأينا في فيلم “برّية” (Wild) عام 2014، امرأة شابة تمضي منفردة في الصحراء لـ 3 أشهر، تقطع فيها مسافة 1100 ميلا، مشيا على الأقدام، في محاولة للهروب من صدمة وفاة والدتها بالسرطان بعد أن أغرقتها في الحزن وورطتها في الإدمان ودمرت زواجها.

أيضا في عام 2018، شاهدنا في فيلم “لا تترك أثرا” (Leave No Trace) كيف قرر أب يعاني من “اضطراب ما بعد الصدمة”، أن يعيش مع ابنته البالغة من العمر 13 عاما في غابة شاسعة، لينشغلا في قطع الأخشاب وجمع الفطر، حتى يتسبب خطأ صغير في إخراج حياتهما عن مسارها.

لنصل إلى 19 فبراير/شباط الفائت، حيث عُرضت تحفة “أرض الرُحّل” (Nomanland) التي تألقت فيها النجمة فرانسيس مكدورماند في دور “فيرن” الحزينة على حياة انتزعت منها، بعد أن توفي زوجها وتركها وحيدة تماما “بلا مأوى”، وهو ما اضطرها للإقامة في شاحنة وسط مجموعة من البدو الرحل، قبل أن ينتهي بها المطاف للعيش بمفردها مرة أخرى.

لكننا سنعود إلى اليوم الـ 12 من نفس الشهر، لنتوقف أمام “الأرض” (LAND)، الفيلم الطموح الذي شهد أول ظهور للنجمة روبين رايت (Robin Wright)، بوصفها مخرجة وممثلة تقوم بدور البطولة في نفس الوقت، لتقدم -على مدى 89 دقيقة- دراما واثقة تدور حول شخصين متألمين بشدة، يجدان بعضهما البعض في مشوارهما للإجابة عن سؤال يتعلق بجدوى الهرب بعيدا، مقارنة بطلب الدعم والمواساة.

مغازلة الموت

بعد أن كانت إيدي (رايت) امرأة تعيش في زحام المدينة، أصبحت معزولة عاطفيا بسبب مأساة مروعة جعلتها تفكر في الانتحار، قبل أن يبعدها حزنها عن المجتمع، ويجعلها تتوق للوحدة الحقيقية، فتحزم أمتعتها وتنتقل إلى كوخ بعيد، وسط المناطق الجبلية في ألبرتا بكندا، في محاولة لتجربة العيش على الأرض دون أي وسيلة للاتصال بالعالم الخارجي.

تروي إيدي قصتها بأبسط طريقة ممكنة منذ أن توجهت إلى قمة الجبل، وكأنها جاءت لتغازل الموت، فألقت بهاتفها الجوال في سلة المهملات، ولم تتزود بما يكفي من الإمدادات رغم قرب قدوم الشتاء، كما أنها لا تعرف تقطيع الحطب، ولا تستطيع منع دب جائع من التهام طعامها، ولا تعرف كيف تصطاد، فالطبيعة الانتحارية التي اكتسبتها تحت تأثير المأساة تجعلها لا تهتم بسلامتها.

حتى إنها لم تصغ لنصح أحدهم بأن “الوجود في هذا المكان بدون سيارة يُعد مخاطرة”، وهو التحذير الذي تذكرته عندما عثر عليها ميغيل (النجم المكسيكي ديميان بشير) وهي على حافة الهلاك.

- Advertisement -

وبعد أن تعرف إليها ووعدها ألا ينقل لها أخبار العالم الخارجي، احتراما لعزلتها الذاتية، بدأ ميغيل يشعر أن ضبط النفس الذي تبديه إيدي يخفي وراءه شيئا ضاغطا، لإصرارها على التأكيد على قول “أنا هنا لأنني لا أريد أن أكون مع الناس”.


تحدي المصالحة مع النفس

فيلم “الأرض” هو قصة حزن مؤلم لا يمكن تصوره، فبعد افتتاح بلغت مدته نصف ساعة بدون حوار تقريبا، يتضح أن رايت “اختارت الهدوء بدلا من الضجيج، وجعلت الحزن القوةَ الدافعة لشخصياتها، فجاءت أولى تجاربها الإخراجية مثيرة للذكريات وغامرة، من ناحية ما تشعر به عندما تكون وحيدا حقا”، وفقا للناقد السينمائي بريان تاليريكو.

حيث ترينا رايت كيف يمكن للذكريات أن تتداخل مع بعضها البعض، وكيف يمكن أن يومض أي صوت في داخلنا شيئا فظيعا أو حزينا أو جميلا، وهي تعود بنا إلى الوراء قليلا، لتكشف لنا بعض ما تخفيه إيدي من جراح الروح، وما تكبده ميغيل من خسائر في ماضيه، ومدى عمق إصابته وإيذائه لنفسه، حتى تصل بنا إلى تحدي المصالحة مع النفس، عندما تكتشف إيدي حجمها مقابل جمال الطبيعة الشاسعة، وتعرف أن العزلة ليست الحل وأن الصلة هي ما يهم.

لنجد أنفسنا أمام فيلم جميل نجحت فيه روبين رايت -بوصفها مخرجة بالتعاون مع المصور السينمائي بوبي بوكوفسكي- في تحقيق توازن رائع بين اللقطات للخلفية الرائعة واللقطات المقربة التي تكشف عن صدمة الشخصيات، وبين الحفاظ على إحساسنا بالخطر، لا سيما في تلك اللقطة التي تقف فيها إيدي بالقرب من حافة جرف بشكل يقنع أي أحد بأنها ستسقط.

لكن جمال الطبيعة الأخاذ يفاجئنا بأنه يخفي الكثير من الجوانب التي يمكن أن تقتل الفارين إليها، من الدببة التي تبحث عن الطعام، إلى العواصف الثلجية الشتوية القاسية، إلى المنحدرات المُردية المُهلكة.

إفساح المجال للأمل

جاء فيلم “الأرض” أفضل على مستوى أداء الممثلين، لكن الحوار كان هو أضعف جانب فيه، وإن كان كل من رايت وبشير قد استغلا فترات الضعف تلك لإظهار مزيد من قدراتهما التمثيلية الجسدية، لكن هذا لم يغير الشعور بأن الفيلم أكثر فاعلية في الصمت منه في الحوار.اعلان

كذلك تركت أغنية الفيلم التي غناها ميغيل عدة مرات، انطباعا يجب أن نتذكره في مواجهة نوبات الاكتئاب والحزن التي يمكن أن تداهمنا، بأن “لا شيء يدوم إلى الأبد”.

وهو ما حدث بالفعل، ومرت الفصول بسرعة في هذه الدراما النقية بصريا، الواضحة عاطفيا، وتناوبت دورات الخريف وهجمات الجليد وعناصر الطبيعة على خداع الوقت، حتى تبدأ قشرة الأرواح المتشائمة في التآكل، وتشفي بعض الجروح وليس كلها، في “قصة من الحزن الشديد، تفسح المجال للأمل ولو مؤقتا”، كما يقول الناقد السينمائي جاستن تشانغ.

المصدر : الجزيرة

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.